ابن بسام

333

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وخلق خلوقها من عيون الشهداء والصديقين [ 1 ] ، فلذلك لم يحتج بيانه إلى ضبط ونقط ، ولا افتقر قرآنه إلى أكثر من ورق وخط ، جرى فيه كاتبه على سجيّة [ 2 ] لسانه فأمن اللحن ، وأخذ بسنّة أهل زمانه فترك العجم والشّكل ، وأمر بقول ربّ العالمين : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( الحجر : 9 ) فألصقته بكبدي ليبرد ذلك الأوار ، وأمرغت فيه خدّي عسى ألّا تمسّه النار ، ولمحت / أثر دم الشهيد ، فجئت [ 120 أ ] من دمعي بأربعة شهود ، وقلت : ألا فضّ فم الحسام كيف قصف لحمه [ 3 ] ، وأرغم أنف السّنان كيف استرعف دمه ، وتبا لعبيد الدار كيف أغمدوا شفارهم ، وعجبا من بقيّة الأنصار كيف ضيّعوا انتصارهم ، : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( الواقعة : 75 - 76 ) لو شاهدت [ يوم ] ذلك البرح ، لصار القلم في يدي كصدر الرمح ، وأضحى المقطّ في يدي [ 4 ] أبيض مثل السيف ، ولكانت سكيني هنالك حساما ، ويميني عمرا وصمصاما ، وقلبي على لينه جمادا ، وسعيي على ضعف حويله جهادا ، حتى أرمي من رمى في المقتل ، وأقتل دونه قتلة المكبّ المقبل . ثم خرجنا وقد صدئت نفوسنا ، ووجلت قلوبنا ، وخلت من الدمع عيوننا ، ولم يتسع يوم الإقامة [ 5 ] ، لأكثر من هذه المقامة . ( ثم ) باكرت الرحيل ، ويمّمت في الغد الملك الجليل ، الذي ضارع به المشرق المغرب ، وسادت لخم سائر العرب . فلما فصلت عنها ورأيت من حسنها وجمالها ، واتصال مساكنها وظلالها ، ما حبس عليه ناظري ، وجذب إليه خاطري ، فقلت [ 6 ] : سقى جديدا من الأيام قرطبة * ماء الشباب وريق البارد الخصر وقفا يمدّ الندى في روضه شرقا * من الغمام مع الآصال والبكر كأنّه فيه والإمساء يبسطه * رداء إلفين قد صارا إلى وطر حتى إذا شيب كافور الصباح به * أضحت تصعّده نار من الزهر

--> [ 1 ] ط د س : والصالحين . [ 2 ] المسالك : جري . [ 3 ] د : قصم ، ولعل الصواب : « قضب » ؛ ب م : لحنه ؛ المسالك : فصم . [ 4 ] المسالك : كفي . [ 5 ] ب م والمسالك : القيامة . [ 6 ] باكرت الرحيل . . . فقلت : سقط كله من د ط س ، وجاء في موضعه : ومن شعره .